الجمعة، 21 مارس 2014

الفاندايك: تاريخ أشهر ترجمة عربية للكتاب المقدس.

الفاندايك: تاريخ أشهر ترجمة عربية للكتاب المقدس.                         

                                                                                                     
                                       
هل ترجمة الفاندايك للكتاب المقدس نص مقدس ؟!
للإجابة على هذا السؤال يجب أن نعرف تاريخ كتابة هذه النسخة، كيف كتبت ولماذا، من كتبها ومنهجية كاتبها، ومن أي أصل ترجمت.

تاريخ الكتاب المقدس العربي
يرجع تاريخ الكتاب المقدس بين العرب إلى ما قبل الإسلام، وبالرغم من أن المراحل الأولى من هذا التاريخ لم تحظَ حتى الآن بقدر كبير من الاهتمام والدراسة، إلا أنه يمكننا أن نقرر بعض المعلومات عنها. فالكتاب المقدس في المرحلة السابقة للإسلام كان يترجم شفاهيا من أصول سريانية وعبرية ولا توجد أي أدلة يمكن منها استنتاج تداول الكتاب المقدس باللغة العربية في هيئة مكتوبة في تلك المرحلة وهو ما يذكره العالم الألماني Wilhelm Rudolph والأمريكي Sidney H. Griffith. وربما يلاحظ المتأمل في القرآن المليء بالقصص الموجودة في الكتاب المقدس والتي تحكي عن العديد من الأحداث والشخصيات المشتركة، أو حتى في استشهاده بالكتاب المقدس، أنه لم يكن يقتبس نصوصاً باستثناء حالة واحدة اعتبر فيها بعض الباحثين أن الآية (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء: 105] مقتبسة من (والذين ينتظرون الرب هم يرثون الارض) [مزمور 37: 9] وإن كان الاقتباس غير جلي. أما عن ترجمات الكتاب المقدس إلى العربية فلم تظهر قبل القرن الثامن الميلادي بعد الفتوحات الإسلامية وانتشار الحركة الأدبية، بدأ المسيحيون في ترجمة بعض أجزاء الكتاب المقدس إلى العربية ويعد أقدم أثر مادي لترجمات الكتاب المقدس إلى العربية هو النسخة المحفوظة في دير سانت كاثرين في سيناء لترجمة للأناجيل الأربعة وهي ترجع لعام 859م ومخطوط (Sinai Arabic MS 151) الذي يحتوي على ترجمة عربية لرسائل بولس وترجع إلى عام 867م. وترجمة سعديا جعون للعهد القديم في القرن العاشر من النسخة السبعينية وترجمة أولاد العسال للعهد الجديد في القرن الثاني والثالث عشر من النسخة القبطية. ثم ترجمة روفائيل الطوخي في منتصف القرن الثامن.

تاريخ نسخة الفاندايك ومصادرها
ظهرت النسخ المطبوعة في القرن التاسع عشر إلا أنها كانت تعاني من ارتفاع التكلفة وركاكة اللغة التي كانت محل سخرية من المسلمين، وهذا كان دافعاً للدكتور إيلي سميث الذي انضم إلى جمعية المرسلين الأمريكان عام 1826 وكان مرسلا إلى مالطا، التي كانت تحت الحكم البريطاني وبالتالي كانت المكان الوحيد في منطقة المتوسط المسموح فيها بإنشاء مطبعة للجمعية، نظرا للرفض الإسلامي للتنصير وأيضا لرفض الكنائس التقليدية = الأرثوذوكسية والكاثوليكية، للإرساليات البروتستانتية. كان سميث شغوفاً باللغات فكان يتقن اليونانية واللاتينية والعبرية، وكان على معرفة بالفرنسية والألمانية والإيطالية، وأثناء إرساليته تعلم أيضا كلا من التركية والأرمينية. كان الغرض الرئيسي للإرسالية هي أن يقوم سميث نظراً لشغفه باللغات بإخراج طبعة عربية للكتاب المقدس حيث أنها اللغة الأوسع انتشاراً في المنطقة بل كانت هي لغة الأرض المقدسة نفسها، إلا أن المطبعة كانت صغيرة ومعدة فقط لطباعة نسخ قليلة بالإيطالية واليونانية الحديثة. ولم يكن من ضمن المرسلين من يتقن العربية. أدرك سميث هذه المشكلة وقرر من نفسه السفر لبيروت لتعلم اللغة. أقام مع بعض زملائه هناك لدراسة العربية ثم انتقل للعيش مع أسرة عربية كي يتقن اللغة العامية أيضا بجانب الفصحى. أقام هناك لفترة، ثم اضطر للعودة إلى مالطا بعد اندلاع حرب بين الأتراك والغرب. قامت الإرسالية، رغبة منها في الإسراع بخروج الطبعة، بتجهيز خطين عربيين وإرسالهما من بوستون إلى المطبعة بمالطا مع أحد الخبراء في الطباعة، لكن سميث اعترض على تلك الخطوة، بأنه مازال بحاجة إلى المزيد من دراسة اللغة. وأرسل إليهم أنه بحاجة شديدة إلى شخص لغته الأم العربية، حتى يستطيع أن يخرج معه ترجمة متقنة، فلم يكن هناك أي أوروبي أو أمريكي يعرفونه، على إلمام باللغة بالقدر الكافي. عاد مرة أخرى إلى بيروت عام 3481، فوجدها مختلفة تماما حيث كانت تحت حكم محمد علي، وانتشرت المدارس والحركة التعليمية، فرأى المناخ مناسباً، فأرسل طلباً للخطين العربيين فأرسلوهما إليه من مالطا ومعهما فني طباعة وبدأ في طباعة بعض الكتابات البسيطة والصلوات وبعض أعماله الروحية، وطبع أيضاً بعض الكلاسيكيات الأدبية العربية. حين هم لطباعة الكتاب المقدس، كان مدركاً لرداءة الخط المستخدم في الطباعة، فأراد أن يستخدم خطاً يليق بالنص المقدس ويرضى عنه العرب والمسلمون الشغوفون بحسن الخط. لم تكن هناك أي مطبعة عربية تفي بالغرض ولا حتى مطبعة السلطان في تركيا. فقام بتجميع مخطوطات لأجمل الخطوط العربية من أفضل الخطاطين حتى يصمم خطاً جديداً يرضي طموحه، ثم قرر السفر لأزمير لمقابلة هالوك خبير الطباعة، حتى يقوم بعمل قوالب الخط الجديد، إلا أن مركب السفر تحطمت وفقد كل شيء. فبدأ من جديد وجمع 0081 رسماً عربياً في قسطنطينية. ثم توجه بعد ذلك بهم إلى أزمير وقام هالوك بنحت القوالب وتجهيز الشبكة التي ستركب عليها. ثم سافر سميث إلى ألمانيا حيث أشرف على صب الحروف بنفسه. من الجدير بالذكر أن الخط الذي أعده هالوك، كان يتميز بسهولة الطباعة خاصة بعد أن حل إشكالية وضع النقاط في سطر منفصل، وصار هذا الخط فيما بعد هو الخط القياسي للطباعة العربية لمدة قرن كامل.
سافر بعد ذلك عام 1848 للزواج وهناك اتفق مع الجمعية على البدء في ترجمة الكتاب المقدس وطباعته. حين عاد إلى بيروت استعان باثنين من العرب الأكفاء، وهما بطرس البستاني، وقد كان مدرساً للغة العربية وكان على علم أيضاً بالآرامية والسريانية واللاتينية والإيطالية والفرنسية، وقد بدأ في تعلم اليونانية والعبرية منذ انضمامه للإرسالية عام 1841. والثاني كان الشيخ ناصيف اليازجي، الذي كان بالفعل عالماً باللغة العربية، إلا أن سميث كان مرتاباً منه في البداية نظراً لعدم إلمامه بأي لغة أخرى، وبالرغم من ذلك استطاع أن يلبي طموح سميث في إخراج منشورات المطبعة بلغة عربية نقية راقية، تنال إعجاب العالم العربي. بدأ سميث في ترجمة العهد القديم، وأرسل للجمعية أول نسخة من سفر التكوين ومعها رسالة منه إلى الإرسالية يشرح فيها منهجيته في الترجمة والمراجع التي اعتمد عليها: حيث اعتمد على عدد من مراجع النحو العبري، وبعض المعاجم العبرية واليونانية وتفاسير العهد القديم، وبعض النسخ النقدية للعهد القديم العبري وللترجمة السبعينية. وأيضا على ترجمات عربية مثل ترجمة سعديا جعون وأبو سعيد السامري، وعلى بعض المخطوطات وأيضا بعض النسخ الحديثة. أما في اللغة العربية فقد اعتمد على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك وتعليق الفوائد على تسهيل ابن مالك للدماميني ومغني اللبيب لابن هشام، المختصر والمطول للتفتازاني وقاموس فیروزآبادی وأيضا التعريفات للجرجاني والكليات لأبي البقاء.
ثم ذكر أيضا منهجيتهم في الترجمة وهي باختصار:
أن يقوم السيد بطرس البستاني بترجمة أولية. وأهمية تلك الترجمة أنها تعطي طابعاً لغوياً أصيلا من الصعب أن يقدمه أجنبي. ثانياً تدعيمها بالجمل والمصطلحات المعاصرة التي تعبر عن المعنى الأصلي وبالأخص التعبيرات المستخدمة في الأدب واللاهوت المسيحي المعاصر. ثالثاً محاولة إضفاء تناغم بين النص كاملا. وبالرغم من كل ذلك ففي أحيان كثيرة لا يكون البستاني راضياً عن الجمل التي صاغها، فيرجع إلى الترجمات الأخرى لمراجعة الصياغة. في النهاية يجلس سميث مع الشيخ ناصيف ليعطي رأيه في النص من حيث البناء والتعبيرات والبلاغة، ثم بعد ذلك ينقل النص الجديد، ويراجع سميث معه كل نص بدقة بالغة تستهلك وقتاً طويلا، ولا يمرر أي جملة بدون موافقته النهائية عليها.
بعد فترة أصيب سميث بالملاريا، ولم يكن طبع سوى سفري التكوين والخروج باستثناء آخر فصلين، وكان قد أنهى الصياغة الأولية للتوراة وأرسلها للإرسالية، أما باقي العهد القديم فكان بطرس البستاني قد ترجم أغلبه بدون مراجعة سميث، وأيضاً الاثنا عشر إصحاحاً الأوائل من إنجيل متى كانا جاهزين للطباعة. توفي سميث في بيروت عام 1957 متأثراً بمرضه. فعينت الجمعية الدكتور كرنيليوس فاندايك، وقد كان عالماً باللغة العربية التي أتم دراستها بالأزهر. واجه فاندايك مشكلتين رئيسيتين في مهمته لإكمال الترجمة، الأولى أن سميث قبل وفاته أخلى مسئوليته عن أي جزء من الترجمة لم يعده جاهزاً للطباعة وهو ما أجبر فاندايك على إعادة الكثير من العمل؛ الثانية أن الإرسالية رفضت أن تخرج الترجمة بأي حال عن (النسخة اليونانية المسماة النص المستلم، Textus Receptus)، وهي النسخة التي اعتبر كل من سميث وفاندايك أنها لا تعتبر أفضل النسخ ولا أكثرها مصداقية؛ حتى أن سميث في بعض الأحيان، وبالرغم من قرار الجمعية، لجأ إلى نسخ كل من تشيندروف، نيجلز وألفورد. أما فاندايك فقرر مراجعة كل ما تمت ترجمته من العهد الجديد ليتأكد من مطابقته للنص المستلم التزاماً برغبة الجمعية .
أتم فاندايك ترجمة العهد الجديد عام 1865، وأرسلها للجمعية التي استمرت لمدة عامين في تجهيز قوالب الطباعة. ثم بعد ذلك ذهب مع هالوك خبير الطباعة إلى بيروت من أجل طباعة الكتاب المقدس، الذي لاقى رواجاً يقال أنه لم يحظَ به أي كتاب عربي مطبوع آخر في ذلك الوقت.

الآن قد علمنا أن الترجمة الشهيرة للكتاب المقدس اعتمدت على النص المستلم.
فما هو هذا النص؟ ولماذا يسمى بالنص المستلم؟
في عصر الإصلاح كانت هناك رغبة لدى المصلحين في استبدال نسخة الفولجاتا اللاتينية للكتاب المقدس بنسخة يونانية، فكان العمل على إخراج أول نسخة يونانية مطبوعة للكتاب المقدس. تنافست داري نشر على السبق في إصدار تلك النسخة حتى تنال الأفضلية في السوق، كان خيمينيز قد بدأ إعداد نسخة في أسبانيا، ونافسه فوربن في بازل فأرسل إلى إراسموس ليقوم بإعداد نسخة واستعجله كثيراً حتى ينالوا السبق، وقد كان لهم ذلك لكن على حساب جودة النص التي لم يهتم بها فوربن بقدر اهتمامه بالتسويق؛ حتى أنه بسبب هذه العجلة كانت النسخة مليئة بالأخطاء المطبعية، بدرجة جعلت العالم سكريفنر يقول عنها: أنها في هذا الصدد تعتبر أسوأ كتاب يعرفه.
أما عن المصدر الذي أخذ منه إراسموس النص اليوناني، فكان قد اعتمد على عدد قليل من المخطوطات المتأخرة بعضها من القرن ال 12، ففي ذلك الوقت لم يكن قد تبلور بعد علم النقد النصي وأي نص مكتوب باليوناني كان يعتبر لدى الإصلاحيين أصلياً.  ولهذا فالنص بالمعايير العلمية يعد ضعيفاً جداً. أحدث الإصدار الأول من تلك النسخة جدلا كبيراً حيث حذف منه نص التثليث الأساسي في الكتاب المقدس (فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد) [رسالة يوحنا الأولى 5: 7]، حيث قال إراسموس أنه لم يجده في أي نسخة يونانية، بينما احتج عليه الكاثوليكي لوبيز دي ستونيكا بأن النص موجود في النسخة اللاتينية وأن الكنيسة تعتبره نصاً موحى به. فتحداه إراسموس بأنه لو أتى له بأي مخطوطة يونانية بها النص سوف يقوم بتضمينه في الطبعة التالية. انتهى التحدي نهاية كوميدية بعد أن أحضر لوبيز مخطوط يوناني يحتوي على النص، إلا أن النص مشكوك في أصله حيث أنه يرجع إلى القرن السادس عشر! وهو النص اليوناني الوحيد الذي وجدوه يحتوي على النص! فأضاف إراسموس النص في الطبعة الثالثة من النص المستلم. لكنه أضاف في التعليقات أنه يشك في مصدر هذه المخطوطة وأنه يظن أنها صنعت خصيصاً لكسب هذا التحدي، ويُعتقد الآن أن المخطوط كتب في أوكسفورد عام 1520 بواسطة راهب فرانسيسكاني اسمه روي أو فروي!

اشتهر النص وأصبح بعد ذلك هو النص القياسي للكتاب بالرغم من كل أخطائه، ويرجع ذلك إلى جملة دعائية كتبت باللاتينية في أول الكتاب، وضعها الناشر، يقول فيها : "أيها القاريء بين يديك النص المستلم الآن من الجميع"
Textum ergo habes, nunc ab omnibus receptum


ومما ساعد على مزيد من الانتشار لتلك النسخة، الطبعة الجديدة التي أصدرها الناشر الفرنسي روبرت اسطفانوس، حيث قام بتصحيح أخطاء الطباعة وبإخراجها في شكل جميل. وقام بتقسيم الإصحاحات ولهذه التقسيمة قصة أسطورية كوميدية، حيث يقال أنه قام بالتقسيم وهو ممتطي فرسه في الرحلة من باريس إلى جنيف وأنه كان يقسم عدداً مع كل قفزة من حصانه، وأن هذا هو السبب وراء عدم النظام أو المنطقية في تقسيمة أعداد الكتاب المقدس!

إذاً فترجمة الكتاب المقدس الأوسع انتشاراً في الوطن العربي التي تجدها في بيت أي مسيحي في مصر، تمت من نص مليء بالأخطاء وبالرهانات والتزوير والأساطير والأحداث الكوميدية، حتى أن المترجمين أنفسهم كانوا رافضين له!
وربما نتساءل لماذا ترضى الكنيسة الأرثوذوكسية بتلك الترجمة البروتستانتية، وكان القس أثناسيوس قد وجَّه هذا السؤال إلى الأنبا شنودة البابا المتنيح في مؤتمر تثبيت العقيدة 2004، فأجابه بأن النصوص التي (حذفها البروتستانت) قليلة وأن إعداد ترجمة جديدة ستأخذ مجهوداً لا داعي له! وأنها ستعرضهم لسهام النقد من الجميع، ولذلك فلا داعي لأن نصدر نسخة للكتاب المقدس خاصة بنا! ولا عزاء للأتباع!

للاستزادة:
-       Yale Divinity School Library, Occasional Publication, No. 4 - Eli Smith and the Arabic Bible - By Margaret R. Leavy - 1993.
-       The Arabic Bible of Drs. Eli Smith and Cornelius V. A. Van Dyck - By: Isaac H. Hall - Source: Journal of the American Oriental Society, Vol. 11 (1885), pp. 276-286 Published by: American Oriental Society.
-       The Story of the Arabic Bible - American Bible Society - New York, 2006.
-       Sidney H. Griffith, When Did the Bible Become an Arabic Scripture?, Intellectual History of the Islamicate World, VL 1,PG 7 – 23.
-          ثروت قادس (دكتور قس)، الكتاب المقدس في التاريخ العربي المعاصر، دار الثقافة، القاهرة طبعة أولى، 1999.
-       F.H.A. Scrivener, A Plain Introduction to the Criticism of the New Testament, 4th ed., ii (London, 1894)



الكريسماس جذوره وتاريخيته

الكريسماس جذوره وتاريخيته


يحتفل أغلب العالم الآن بعيد ميلاد المسيح، أو الكريسماس، في يوم 25 ديسمبر، بينما يحتفل به الأقباط في مصر يوم 29 كيهك الموافق 7 يناير، وتحتفل به الكنائس الأرمينية يوم6 يناير، ففي أي يوم ولد المسيح؟ ومتى بدأ ذلك الاحتفال وما أصله؟
يجدر بنا أن نبدأ أولاً، بمعرفة أصل ذلك الاحتفال ومصدره، ففكرة الاحتفال بأعياد الميلاد كانت محل رفض شديد في الكنيسة الأولى، كما تقول دائرة المعارف الكتابية، وأيضاً بحسب الموسوعة الكاثوليكية، فإن هذا العيد لم يكن من احتفالات المسيحية القديمة، حيث أنها كانت عادة الوثنيين، فكانوا يحتفلون بميلاد الأباطرة وبميلاد الآلهة، وقد استنكر هذه العادة، آباء الكنيسة الأوائل مثل أوريجانوس (182 – 254م) حيث قال، أنه بحسب الكتاب، فإن العصاة فقط وليس القديسين، هم من يحتفلون بأعياد ميلادهم. وأيضاً فإن كلاً من ترتليانوس (160 – 220م) وإيرينيئوس (130 – 202م) لم يضما هذا العيد ضمن قوائمهم بالاحتفالات المسيحية. بحسب دائرة المعارف الكتابية، فإن هيبوليتس (170 – 236م) روى أن هذا الاحتفال بدأ في القرن الثاني، وبحسب الموسوعة الكاثوليكية فإنه بدأ في مصر. إلا أن القدماء لم يجمعوا على يوم معين لميلاد المسيح، فقد اختلفوا في ذلك كثيراً.
عن تلك الخلافات القديمة نجد شهادة إكليمنضس السكندري (150 – 215م) حيث قال: "أن بعض اللاهوتيين المصريين، حددوه في 20 من شهر مايو. وقد حدده آخرين في 19 أو 20 أبريل." وفي كتاب منسوب بالخطأ إلى كبريانوس (200 – 258م) جعل يوم مولد المسيح في 28 مارس لأنه اليوم الذي خلقت فيه الشمس. وتنقل لنا الموسوعة الكاثوليكية، عن المؤرخ الإيطالي Lupi أنه لا يوجد شهر في العام لم يدعي أحد المصادر المسيحية المعتبرة أن المسيح ولد فيه. ولهذا، تقول دائرة المعارف الكتابية، أنه لا يمكن تحديد اليوم ولا الشهر الذين ولد فيهم يسوع بدقة. وبشكل عام كان المسيحيون حتى القرن الثالث يحتفلون بعيد الميلاد وبعيد الظهور الإلهي في يوم واحد وهو السادس من يناير، ثم تقرر بعد ذلك الفصل بين العيدين وأصبحت الكنائس بدئاً من القرن الرابع تحتفل بكل عيد في يوم، واختاروا الخامس والعشرين من ديسمبر للميلاد والسادس من يناير للظهور، إلا أن الكنيسة الأرمينية ظلت على العادة الأولى تحتفل بالإثنين معاً في اليوم السادس من يناير. وكانوا في الماضي يتبعون التقويم اليولياني، إلا أنه بعد أن ثبتت عدم دقته تحولت الكنائس إلى استخدام التقويم المتبع عالمياً الآن وهو التقويم الميلادي، لكن الكنائس الشرقية ومنها القبطية والروسية ظلوا يستخدمون التقويم القديم الذي يوافق فيه يوم الخامس والعشرون من ديسمبر يوم السابع من يناير.
فكيف تم إذاً اختيار هذا اليوم للاحتفال بالميلاد؟ هناك عدة نظريات في سبب اختيار ذلك اليوم، أهمهم اثنتين.
النظرية الأولى، تقول إن هذا التاريخ جاء وفق حسبة تقول بأن يوم الحبل بيسوع هو يوم وفاته، وأن ذلك كان في 25 مارس، وهو تقليد غير إنجيلي يرجع إلى ترتليانوس، إلا أن هذا التاريخ كما تقول الموسوعة الكاثوليكية، مستحيل تاريخياً، وذلك نظراً للصعوبات التاريخية الأكبر في تحديد يوم الصلب والوفاة، وبإضافة تسعة أشهر يكون ميلاده في 25 ديسمبر.
فالأناجيل كما يقول المؤرخ القبطي الكبير عزيز سوريال عطية، في الموسوعة القبطية: "لم تحدد لا اليوم ولا الشهر الذين ولد فيهم المسيح." علاوة على أن المعلومات الموجودة بالأناجيل تؤكد صعوبة أن يكون الميلاد في شهر ديسمبر، لسببين:
الأول، قصة الإحصاء التي نجدها في إنجيل لوقا 2: 1-3
"وفي تلك الايام صدر امر من اوغسطس قيصر بان يكتتب كل المسكونة.  وهذا الاكتتاب الاول جرى اذ كان كيرينيوس والي سورية. فذهب الجميع ليكتتبوا كل واحد الى مدينته" ومثل هذا الإحصاء الذي كان يتطلب سفر عائلات بأكملها، كان مستحيلاً إتمامه في الشتاء.
الثاني، قصة الرعاة الذين كان يحرسون الغنم في الليل في العراء إنجيل لوقا 2: 8
" وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم" ومن الصعب جداً أن يرعى الغنم في ليل شتاء ديسمبر في فلسطين.
النظرية الثانية، تقول بأن هذا التاريخ اختير بالمماثلة مع أعياد وثنية سابقة للمسيحية، وهي النظرية الأقوى، نظراً للصعوبات التاريخية والحسابية التي تواجهها النظرية الأولى، وأيضاً بسبب توافقها مع النهج المسيحي في القرون الأولى.
يقول ويل ديورانت عن علاقة المسيحية بالوثنية القديمة: " إن المسيحية لم تقضِ على الوثنية، بل تبنتها، ذلك أن العقل اليوناني المحتضر عاد إلى الحياة في صورة جديدة في لاهوت الكنيسة وطقوسها." ويقول أيضاً، المؤرخ القبطي الكبير عزيز سوريال عطية، في تاريخ المسيحية الشرقية: " أن حب المصري للتدين قد خنق أمام عقله أشياء كثيرة ظلت بصماتها واضحة على الديانات السماوية اللاحقة تاريخياً. ويبدو هذا واضحاً فيما تسرب من العقائد القديمة إلى الديانة المسيحية بوجه خاص" 
فمن أي الأعياد الوثنية نقل الاحتفال بعيد الميلاد؟
يبدو أن الاحتفال بعيد الميلاد، اخترع ليحاكي عيد الشمس التي لا تقهر، Natalis Invicti حيث أن الاحتفال بهذا العيد كان منتشراً بشدة في الإمبراطورية الرومانية، وتلك المعلومة ما نجده في معجم الإيمان المسيحي، لصبحي حموي اليسوعي وأيضاً في الموسوعة الكاثوليكية وفي مئات المراجع التاريخية والمسيحية التي لا مجال لسردها. وأيضاً بسبب ارتباط هذا اليوم بالديانة الميثرائية، كما يخبرنا سلوان موسى في كتابه سر التجسد وويل ديورانت في قصة الحضارة. ويقول ويل ديورانت أيضاً في مباهج الفلسفة، أن: "عيد الميلاد Christmas في الأصل عيدًا مصريًا خاصًا بمولد الشمس، أي عند الانقلاب الشتوي حين يتحرك الفلك المقدس شمالاً، وتأخذ الأيام تطول."
إلا أنه بالرغم من أن هذا التاريخ الغير مبني على أي أساس تاريخي حقيقي، بل هو فقط محاولة من الكنيسة لأن تحصد اعداد جديدة من الوثنيين بتنصير أعيادهم الوثنية، كما تقول أ.ل. بتشر في تاريخ الأمة القبطية وأيضاً ماهر محروس مرجان في كتاب تأثير المسيحية في مصر الفرعونية، فكان بعض الآباء يعتقدون أن المسيح ولد بالفعل في هذا اليوم كما ورد في موسوعة Gale للأديان. ولذلك حاولوا أن يبرروا لاهوتياً ذلك التماثل بين تاريخ ميلاد يسوع وتاريخ ميلاد إله الشمس الذي لا يقهر، فنجد مثلاً يوحنا ذهبي الفم (347 – 407م) يقول: "لكن ربنا نحن أيضاً ولد في شهر ديسمبر ... في الخامس والعشرين من ديسمبر ... لكنهم يسمونه عيد الذي لا يهزم ومن هذا الذي لا يهزم سوى ربنا ... ؟ وإن كانوا يقولون أنه يوم ميلاد الشمس، فإنه هو شمس البر" وهو هنا يشير إلى نص سفر ملاخي 4: 2 "ولكم ايها المتقون اسمي تشرق شمس البر والشفاء في اجنحتها فتخرجون وتنشاون كعجول الصيرة" وهو نص من العهد القديم يعتقد المسيحيون أنه يشير إلى يسوع.
تلخيصاً لما سبق أقول أن يوم الخامس والعشرون من ديسمبر ليس يوم ميلاد المسيح، بل هو يوم العيد الوثني لميلاد الشمس، قام المسيحيون في الماضي بتنصيره من أجل كسب ود الوثنيين.
مراجع
1.    دائرة المعارف الكتابية، المجلد الرابع؛ مادة: أزمنة العهد الجديد؛ المحرر وليم وهبة بباوي.
2.    معجم الإيمان المسيحي؛ صبحي حموي اليسوعي.
3.    قصة الحضارة؛ ويل ديورانت.
4.    مباهج الفلسفة؛ ويل ديورانت.
5.     سر التجسد؛ سلوان موسى.
6.     تاريخ الأمة القبطية؛ أ.ل. بتشر.
7.     تأثير المسيحية في مصر الفرعونية؛ ماهر محروس مرجان.
8.     تاريخ المسيحية الشرقية؛ عزيز سوريال عطية.
9.     The Coptic Encyclopedia; Editor: Aziz S. Atiya; Feasts, Major

10.                       The Catholic Encyclopedia; Charles G. Herbermann Ph.D; Christmas

أسطورة الكرازة المرقسية.

أسطورة "الكرازة المرقسية."


هل تعلم عزيزي القارئ أن "الكرازة المرقسية"، هي مجرد أسطورة لا يوجد لها أصل تاريخي.
الكرازة المرقسية تشير إلى تقليد مستقر في الكنيسة الأرثوذوكسية، يقول بأن القديس مرقس هو أحد الرسل السبعين للمسيح وعن ذلك يقول مثلا، الأنبا غريغوريوس: "كان القديس مرقس في أورشليم في وقت ظهور السيد المسيح، فكان من أوائل من آمنوا به وقبلوا دعوته، فاصطفاه من جملة السبعين رسولاً" (موسوعة غريغوريوس، الجزء 3، ص217.)  وأنه أتى إلى مصر وبشر فيها بالمسيحية وأنه أول أساقفتها، فتقول المؤرخة القبطية، إيريس حبيب المصري: " ومرقس – بالنسبة للمسيحيين في أنحاء العالم – هو أحد الأربعة الذين كتبوا الإنجيل. أما بالنسبة لنا معشر القبط فهو كاروز ديارنا المصرية وحامل بشرى الخلاص ومؤسس الكنيسة والبابا الأول للإسكندرية." (قصة الكنيسة القبطية، الباب الأول ص: 20.)
فالتقليد كما ذكرت لك، يرتكز على هاتين المعلومتين الأساسيتين: مرقس أحد السبعين رسولا، وأنه أتى مصر وأسس كنيسته بالإسكندرية. يأخذ المسيحي القبطي هاتين المعلومتين بالتلقي حتى تصبحا عنده أشبه بالعقيدة، فهو لا يحتاج لبرهان، فقد تلقاهما منذ صغره من الأشخاص الذين يثق بهم، وانطبعتا في ذهنه هكذا دون أن يتبادر إلى ذهنه أي تساؤل حولهما أو عن مصادر ذلك التقليد أو صحته.
أما عن الأسس التي يعتمد كهنة الكنيسة عليها للتأصيل لذلك التقليد، فيقول القمص عبد المسيح بسيط بكل ثقة: "يؤكد جميع الدارسين أن القديس مرقس كان هو الشاب الذي تبع يسوع ليلة القبض عليه والذي كان لابساً إزاراً على عريه فأمسكه الشبان. فترك الإزار وهرب منهم عرياناً." (الكتاب المقدس يتحدى نُقاده والقائلين بتحريفه، ص: 124)، وبالطبع فالدارسين لم يجمعوا على شيء من هذا القبيل، بل إن المؤرخين ينكرون كون مرقس أحد السبعين، فمثلا أندرو ميلر يرى بأن "مرقس هذا لم يكن رسولاً ولا واحداً من السبعين" (مختصر تاريخ الكنيسة، ص: 59) فمرقس كما هو معروف تاريخيا، كان مترجما ومساعدا لبطرس أحد التلاميذ، فهو في "أحد تابعي بطرس" كما قال يسوابيوس القيصري المؤرخ الكنسي الشهير (تاريخ الكنيسة، ص: 72)، أما بابياس أسقف هيرابوليس 118م، كما نقل عنه يوسابيوس أيضا، فيقول عن مرقس أنه "لا سمع للرب ولا اتبعه." (تاريخ الكنيسة، ص177.) وقد تطول الشهادات بالمقال، لكنها لا تخرج عن هذا المعنى. فتلك كانت الركيزة الأولى للتقليد. أما الثانية فلم تكن أكثر حظا من سابقتها، فلو صدقنا بالادعاء التقليدي للكنيسة، وأقررنا بأن مرقس هو أحد تلاميذ الرسل، فهل يمكن قبول كونه مؤسس الكنيسة السكندرية وأول بابواتها؟ فالحقيقة أن هذه المعلومة التقليدية، مبنية على إشاعة! فأقدم مصدر عنها هو ما نقله المؤرخ الكنسي يوسابيوس في القرن الرابع الميلادي، حيث يقول: "يقولون أن مرقص هذا كان أول من أرسلوا إلى مصر، و أنه بشر بالإنجيل الذي كتبه، و كان أول من أسس كنائس بالإسكندرية" (تاريخ الكنيسة، ص: 73.) فلعلك تلاحظ كلمة يقولون، فهذه المعلومة التي هي أساس بنيت عليه كنيسة كاملة، تاريخها يرجع لمئات السنين، يستند على كلمة مثل تلك، لم يقدم يوسابيوس عليها أي دليل. علاوة على أن ذهاب مرقس إلى مصر أصلا هو محل شك تاريخي، إن لم يكن محل إنكار ورفض فكما يقول المؤرخ إيرنست رينان: "فإن الملامح العامة لحياة مرقص معروفة وهي في روما و ليس الإسكندرية." (The History of the Origins of Christianity, V4, p. 82)، أما المؤرخ الكبير بروس متزجر فيقول أن "زمن قدوم المسيحية في مصر , و من أدخلها إليها , غير معروف على الإطلاق." (The Early Versions of the New Testament, p.99)
ولو تتبعنا الآباء الأولين سنجد أن كلا من: بابياس (القرن الثاني)، إيرينيئوس (القرن الثاني)، وحتى إكليمنضس السكندري (القرن الثاني وبدايات الثالث)، جميعا لم يذكروا قصة قدوم مرقس لمصر وتأسيسه للكنيسة بها. ولم تعرف هذه المعلومة قبل يوسابيوس وجيروم في القرن الرابع. وبدون تقديم أي دليل على هذه المعلومة بل كما يقول المؤرخ المعروف بروس متزجر، أنها "بناء على تقليد رواه يوسابيوس مستندا إلى شائعة، تقول إن مرقص الإنجيلي هو أول من أسس الكنائس بالأسكندرية." (The Early Versions of the New Testament, p.99).
فلماذا إذا تم تأسيس هذا التقليد، الغير مستند على أي أسس تاريخية، بل هو متعارض أصلا مع ما وصل إلينا من التاريخ وشهادات الآباء الأوائل. والأكثر من ذلك أنه تم اعتباره من المسلمات البديهية في العقل القبطي، حتى تطور الأمر إلى أن يصبح مصدر الفخر والمباهاة للكنيسة.
وعن سبب اختراع الكنيسة لذلك الادعاء وتمسكها الشديد به، يقول إيرنست رينان: "إن التقليد القائل بكرازة القديس مرقص في الإسكندرية هو أحد الاختراعات المتأخرة سعت الكنيسة الكبيرة من خلاله أن تعطي لنفسها صلة رسولية." (The History of the Origins of Christianity, V4, p. 82) فالسبب كما اتضح، هو أن الكنيسة تريد أن تعطي لها ولبابواتها وسلطتهم قداسة خاصة، عن طريق ربطها بالرسل، فادعوا أولا أن مرقس هو أحد السبعين رسولا، ثم ادعوا أنه أتى إلى مصر وبشر بها وأصبح البابا الأول للكنيسة التي أسسها في الإسكندرية. ولا عجب في سعيهم في ذلك، فقد سبقتهم الكنيسة الكاثوليكية في نسبة تأسيسها إلى بطرس، ويعتبر الكاثوليك أن البابا يجلس على كرسي بطرس، فكما قال رينان أنه "حين زعمت كل الكنائس أساسا رسوليا لها، فإن الكنيسة السكندرية، التي كان لها بالفعل مكانة ملحوظة، أرادت أن تنسب لنفسها ألقابا تكريمية لم تكن تمتلكها." (The History of the Origins of Christianity, V4, p. 82) فكانت تلك المنافسة على الألقاب وعلى السلطان الرسولي، هي الدافع، وأيضا فإن هذه الصلة تعتبر دليلا على صحة العقيدة، فهي موروثة عن الرسل.
ويلخص لنا بروس متزجر كل ما سبق في هذه الجملة قائلا إن "معظم العلماء يعتبر التقليد بدور مرقص في تأسيس الكنيسة السكندرية هو أسطورة محضة." (The Early Versions of the New Testament, p.99) وهو ما يؤيده جان ماسون اليسوعي بالقول "استناداً إلى كلمة ( يقال ) الواردة في تاريخ يوسابيوس ، أيد الجميع في وقت لاحق قدوم مرقس إلى مصر وتطورت واكتملت مع مرور الزمن ما ينبغي أن نسميه أسطورة القديس مرقس." (إنجيل يسوع المسيح، للقديس مرقس، ص: 24)